سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

34

رسائل في الفلسفة والعرفان

أمّا بعد ، فإنّي أجبت سؤالك - أيّها الولد الصالح - لما سألتني أن أُثبت وأرقُم لك - في هذا المختصر - شيئاً ممّا قدّر اللَّه لي في فاتحة الكتاب - التي هي أُمّ الكتاب - بلسان أهل اللَّه وخاصّته ، وسمّيته ب « مرآة » العارفين في مُلتَمس زين العابدين ، وأسأل العون من مُوجد الكون ، فإنّه المستعان وعليه التكلان . اعلم أيّها الولد الصالح المؤيّد ، أنّ العالمَ عالَمان : عالَم الأمرو عالَم الخلق ، وكلّ واحدٍ منهما كتاب من كتاب اللَّه ، ولكلٍّ فاتحة ، وجميع ما في الكتاب مفصَّل في الفاتحة مجمل ، فباعتبار إجمال ما فُصِّل في الكتاب فصّل فيها سُمّيت بأُمّ الكتاب ، وباعتبار تفصيل ما أجمل فيها فيما يلي مرتبتها سُمّيت مرتبة التفصيل ب « الكتاب المبين » ، وكلّ موجودٍ في العالم حرف باعتبار ، وكلمة باعتبار ، ومركّب باعتبار ، وسورة باعتبار ؛ لأنّا إذا نظرنا في ذات كلّ موجودٍ - من غير أن ننظر في وجوهها [ 1 ] وخواصّها وعوارضها ولوازمها - وجدناها مجرّدةً عن الكلّ ، فباعتبار تجرّدها عن الكلّ سمّيناها حرفاً ، وإذا نظرنا إلى وجوهها [ 2 ] وخواصّها وعوارضها ولوازمها ، وأضفناها إليها ، فباعتبار إضافة الكلّ إليها سمّيناها كلمةً ، وباعتبار تجرّد كلّ موجود عن المضافات والمنسوبات وتميّز بعضها عن بعض سُمِّيت حروفاً مقطّعةً مفردةً ، وباعتبار عدم تجرّدها عن المضافات والمنسوبات ، وعدم تميّز بعضها عن بعض ، بل تداخل بعضها في بعض ، سمّيته ألفاظاً مركّبة ، وباعتبار تميّز كلّيات المراتب بعضها عن بعض ، ووقوع كلّ موجود في مرتبته ، سُمّيت سورةٍ . فإذا علمت هذا فاعلم أيضاً : أنّ الحقّ مبدأ الكلّ ومعاده ، واليه يرجع كلّه وإلى اللَّه عاقبة الأُمور ، ولابدّ أن يكون الكلّ فيه قبل كونه ، ولابدّ أن يكون في الكلّ هو ، وإذا ثبت أنه كان ولا شيء معه ، وهو الآن كما كان ، فذاتُ الحقّ سبحانه وتعالى باعتبار ما اندرج [ 3 ] فيها هي أُمّ الكتاب ، وعلمه هو الكتاب المبين ، وباعتبار تفصيل ما اندرج في الذات التي [ 4 ] قلنا فيها : انّها [ 5 ] أُمّ الكتاب وظهورها كَمَن

--> [ 1 ] و ( 2 ) يحتمل في الأصل : « وجمها » ، والمناسب ما أثبتناه . [ 2 ] [ 3 ] في الأصل : اندراج . [ 4 ] في الأصل : الذي . [ 5 ] في الأصل : انّ .